محمد بن سلمان يستثمر «التنين» الصيني و«التقنية» اليابانية نحو رؤية 2030

إلى الشرق ـ بعد أمريكا وفرنسا ـ يطير سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، إلى الصين واليابان، مستكملاً جولاته وزياراته المكوكية، موجهًا بوصلة الاقتصاد السعودي هذه المرة إلى الشرق، وإلى الدول الآسيوية الكبرى المسيطرة على اقتصاد العالم.

تستهدف الزيارة عرض رؤية المملكة 2030، وما تتضمنه من خطوات لإصلاح اقتصادي متكامل، يمكن المملكة من بناء دولة سعودية جديدة، لا تعتمد فقط على النفط كمصدر أساسي للدخل، وإنما على مصادر أخرى جديدة ومتنوعة، تواجه بها تحديات المستقبل، اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا، وتحقق للشعب السعودي الرفاهية المنشودة.

ويسعى الأمير محمد بن سلمان، الذي يحمل على عاتقه تأسيس “اقتصاد سعودي جديد” لإشراك الصين واليابان بشكل أكبر في قطاعات التنمية الحضرية، والنقل والبنية التحتية، حيث تسعى المملكة لإنفاق ما يقرب من تريليون دولار على مشاريع تطوير هذه القطاعات الحيوية خلال السنوات العشر المقبلة.

إضافة إلى الاستفادة من خبرات الدولتين في مجالات المدن الصناعية الكبرى وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك قضايا الأمن المعلوماتي.

كما يسعى الأمير الشاب رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية، من خلال هذه الجولة إلى الاستفادة من خبرات أكبر دولتين اقتصاديًا في توفير فرص عمل جديدة للشباب السعودي والقضاء على البطالة، بإصلاح سوق العمل وتنفيذ مشاريع كبيرة يتم من خلالها تنمية المهارات وزيادة مشاركة المواطنين السعوديين في القطاع الخاص، بالإضافة إلى استثمار هذه الخبرات في إطلاق الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وتكتسب جولة ولي ولي العهد أهميتها من تزامنها مع قمة دول العشرين الاقتصادية التي تستضيفها الصين، حيث يترأس سمو الأمير محمد وفد السعودية إلى القمة العالمية المرتقبة، والتي تنطلق فعالياتها بمدينة شانغو في الرابع من سبتمبر المقبل.

ولا تقل زيارة سموه إلى اليابان أهمية عن زيارته للصين، فتوجهه إلى طوكيو يأتي امتدادًا لتطبيق استراتيجية المملكة المنفتحة اقتصاديًا وعسكريًا على كل دول العالم، وهي الاستراتيجية التى باتت جزءًا لا يتجزأ من السياسة الخارجية لبلاد الحرمين الشريفين، في التعامل مع كل القوى الدولية بمبدأ المصالح والشراكة المتبادلة، ومن دون تفريط في المبادئ والثوابت والقيم والتقاليد الدبلوماسية الدولية.

وإذا كان بعض المراقبين يرون أن انفتاح السعودية على الاقتصاد المتين شرقًا، واتجاهها صوب أكبر دولتين في شرق آسيا، بات يقلق الدول الاقتصادية الغربية ويؤرقها أي تحالف أو تعاون قوي بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، إلا أن فريقًا آخر يرى أن المملكة بحكمة قيادتها تحرص دائمًا على إقامة علاقات متوازنة بين الكتلتين الشرقية والغربية؛ لإيجاد مساحة كبيرة من الاحترام المتبادل رسميًا وشعبيًا ودبلوماسيًا، وبما يحقق المصلحة العليا للوطن على مختلف الأصعدة والمستويات.

ومن المنتظرـ حسب توقعات المراقبين ـ أن يوقع الجانبان السعودي والصيني ـ خلال الزيارة الحالية للأمير محمد بن سلمان العديد من الاتفاقيات منها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وعددا من البروتوكولات الخاصة بمشاريع تنموية سعودية، إضافة إلى عشرات الصفقات بين رجال الأعمال في البلدين.

وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والسياسية التى تعرضت لها العلاقات الصينية السعودية، تأثرًا بالمتغيرات والصراعات العالمية والإقليمية، خلال السنوات الأخيرة، إلا أن القيادة الحكيمة للمملكة وحنكة وخبرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز سلمان كانت حائط الصد المانع لأي تأثر سلبي ينتج عن هذه المتغيرات والأحداث السياسية والعسكرية العالمية.

وكان لهذه السياسة الحكيمة مردودها الاقتصادي القوي، بعد أن اتجهت بالفعل عشرات الشركات الصينية الكبرى للاستثمار في المملكة، وهو ما يجعل المراقبين الاقتصاديين يتفاءلون كثيرًا بزيارة محمد بن سلمان لبكين، حيث ينتظره عدد كبير من الشركات الصينية الكبرى ورجال الأعمال الصينيون، لإبرام عشرات الاتفاقيات والصفقات في مجالات المقاولات والبنية التحتية والمواصلات والكهرباء والطاقة النووية والجديدة والمتجددة.

ورغم حداثة العلاقات السعودية الصينية فإنها تطورت بشكل سريع وخاصة في المجال الاقتصادي منذ الاجتماع الرسمي الأول بين الدولتين في نوفمبر من عام 1985م، الذي مهد لإقامة علاقات دبلوماسية عام 1990م، وبعد زيارة الأمير بندر بن سلطان سفير خادم الحرمين الشريفين في الولايات المتحدة للعاصمة الصينية بكين، توطدت العلاقات الصينية السعودية، وارتفع حجم التبادل التجاري بين الدولتين إلى 60%.

ومع بداية 2004م غزت الاستثمارات السعودية الصين، وقدرت آنذاك بنحو 4 مليارات دولار، عن طريق شركتي أرامكو وسابك للبتروكيماويات، وفى عام 2005 أصبحت السعودية أكبر شريك تجاري للصين، وفي الربع الأول من عام 2010، بلغت صادرات النفط السعودي إلى الصين أكثر من مليون برميل، متجاوزة بذلك صادرات النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي 15 يناير 2012، أنجزت المملكة مع الصين صفقة خطيرة لزيادة التعاون النووي وتطوير واستخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية.

ومهدت هذه الصفقة إلى تعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي، وإلى مزيد من مجالات التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، التي تتوج هذه الأيام بزيارة يتوقع لها المراقبون أن تعيد تشكيل خارطة الاقتصاد السعودي من جديد.

ولم تكن العلاقات الاجتماعية والإنسانية بعيدة عن الدولتين، ويحسب للمملكة أنها كانت أول دولة عربية قدمت أكبر مساعدات مالية وغذائية وطبية للصين خلال تعرضها لزلزال (سيشوان) ويومًا بعد آخر تزداد هذه العلاقات تقدمًا ملحوظًا يعزز رغبة الشعبين في تميز هذه العلاقات، وبما يجعلها تليق بمكانة الدولتين إقليميًا ودوليًا.

المصدر

0